تلعب الثقافة دوراً جوهرياً في بناء الانسان وتطوير المجتمع وتقدمه وبلورة الوعي الانساني، الوطني والحضاري،. فالثقافة هي ما تتميّز به المجتمعات عن بعضها، وتختلف من حيث طبيعتها وصفاتها وخصائصها من مجتمع إلى آخر، كما أنّها تنمو مع النموّ الحضاريّ ويمكن للثقافات أن تلتقي من خلال امتزاج وتفاعل الأممّ مع بعضها البعض مما يؤدي إلى تأثيرات في طبيعة الثقافة وارتقاء الشعوب!..، إذ أن الثقافة هي الركن الأساس الذي ترتكز عليه الحياة في ” العلم والتعليم والرسالية والعطاء”، “المواطنة والإنتماء”، “الفنون بأنواعها” “التاريخ والجغرافيا” إلخ……
تاريخ لبنان قديم قدم البشرية، وقد ذكر في أقدم الآثار المكتشفة في المنطقة، وشكّل نقطة تواصل بين الشرق والغرب، جعله مرتعا لثقافات عديدة أعطته أهمية تاريخية. حافلة بالابداعات التي امتدت على مدى العصور.
فالإبداع اللبناني كُتب بأحرف من نور ويُنقش نقشا وجدانيا فلسفيا على جدار الذاكرة اللبنانية، وضمن آلاف المؤلفات الفكرية، الثقافية، التاريخية والسياحية، التي تحدثت عن عمالقة الأدب والشعر والفن والثقافة.
وغالبا ً ما تلتصق أسماء المبدعين بأسماء بلادهم، فيرفعون من شأنها ويعلون من أسمائها فيتحولون رموزا ً لها وتصبح مصدر فخر واعتزاز لهم. المبدعون بمختلف مجالاتهم هم الوجه المشرق والصورة المضيئة للبلاد والمجتمعات التي ولدوا وعاشوا فيها، يحملون ويعكسون ثقافتها وفنونها وابداعاتها وتراثها واختراعاتها وانجازاتها في الميادين كافة.
يزخر تاريخنا الثقافي والحضاري بمحطات كثيرة كان لها الأثر الايجابي في حياة الشعوب، فاللبنانيون ساهموا في صياغة الحرف وتعميمه، وفي إرساء مباديء التجارة وتبادل السلع، كما ساهموا في سنّ الشرائع والقوانين التي نظمت العلاقة بين الشعوب.
والمغتربون حملوا لبنان رسالة حب وعطاء وسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها، و كانوا خير سفير للبنان في أصقاع الدنيا، وأبدعوا وبرعوا في حقول العلم والمعرفة والإبداع ، فالمهاجرين الأوائل الذين وطأت أقدامهم أرض المكسيك واميريكا والبرازيل وباقي الدول الأخرى، ذلك اللبناني الهارب من الظلم والتعسّف العثماني والمتوجّه إلى أرض مجهولة، جاء إليها على متن باخرة لم ير فيها نور الشمس لمدّة شهرَين، ووصل خالياً من كلّ شيء إلا من العزيمة وإرادة البحث عن مكان جديد وعمل بسيط.، وقد شكّلوا على مدى الأيام أهم وسيلة اعلامية سوقت لبنان اعلامياً وثقافياً وسياحياً في اصقاع الدنيا قبل ظهور الوسائل الإعلامية الحديثة.
فقد شهد لبنان أول صحيفة أسبوعية سياسة علمية تجارية تاريخية وهي جريدة “حديقة الأخبار”برزت في كانون الثاني “يناير” من العام 1858 التي تأسسست على يد خليل الخوري اللبناني وكان من أكبر أعضاء الجريدة التي لهم الفضل في إنشائها ميخائيل يوسف مدور وهو من أعظم نصراء الأدب في لبنان، وهما الانان أعضاء الجمعية العلمية السورية، تبعها صحيفة سياسيّة انتقاديّة علميّة أدبيّة صناعيّة تجاريّة تصدر مرّةً في كلّ أسبوع ومرّة في غرّة كلّ شهر لمديرها ورئيس تحريرها الأستاذ نعوم مكرزل”.
وفي بداية عام 1904 ميلاديًّا التقى جبران خليل جبران بأمين الغريب ليبدأ معه مسيرته الأدبية في جريدة المهاجر بمقالة (رسائل النار)، والتي تبعت سلسلة (دمعة وابتسامة)، وبعدها مقال (الموسيقى).
وشهِدَت بيروت أَول مدرسة حقوق في الشرق، ومن جامعات لبنان تخرّج معظم قادة العرب، وخرّجت أَجيالًا من أبنائنا تلقَّفها العالم بأسره وأبدعوا وقدمّوا للعالم إنجازات ندر مثيلها.
كما شهد لبنان اول مطبعة في الشرق الأوسط سنة 1585، ” مطبعة دير مار انطونيوس قزحيا في وادي قاديشا”، ومطبعة دير مار يوحنا في الخنشارة وهي اول مطبعة للحرف العربي، وفيها طبع اول كتاب باللغة العربية وعنوانه «ميزان الزمان» (في العام 1734).
وكانت بيروت منصةَ الانطلاق للإنتاج الأَدبي والفني والفكري لمعظم الكتَّاب والرسامين والمفكِّرين العرب، ويُطبَع ملايين النُسَخ سنويًا من “القرآن الكريم” في بلدة “درعون” حريصا، على بُعد أَمتار من تمثال سيِّدة لبنان شفيعة اللبنانيين ومَن يقصِدها من الضيوف العرب.
و تنشط الحركة الثقافية في لبنان بمعارض الكتب واللوحات، وبالندوات الفكرية والفنية، وبأُمسيات موسيقية، وبأَنشطة تشكِّل مقاومةً ثقافية بجمهور مثقف.
هذا الإرث التاريخي الزاخر “ثقافياً فنياً، أدبياً، أكاديمياً وتراثياً” يحتّم علينا صونه والحفاظ عليه”أولاً”، والعمل على تطويره بإضافات ثقافية وأدبية وفنية جديدة، “ثانياً”، وليس أجدى من أن يكون ذلك عبر وثيقة تتضمّن معلومات موثّقة مستقاة من مصادرها الرسمية وشبه الرسمية، فإن تسليط الضوء والتركيز الإعلامي على هذا الإرث التاريخي، يوازي بالأهمية دوره الجوهري.
من دون ثقافة لن يكون هناك “وطن”، فالثقافة هي “المستقبل الأخضر”، ولبنان معني بقوة بهذا العنوان لأنه الأخضر على الدوام، المعروف بإسهاماته الفعالة في مسيرة الثقافة، مما يحتم علينا العمل لوضع الخطط والبرامج والمشاريع التي تمكّن أجيالنا من اكتناز تراثهم الزاخر، وتدربهم على فهمه والبناء عليه وتطويره، فإن المستقبل مثل الشجرة، لا يصبح أخضراً إلا إذا امتدت جذوره عميقة في تراب أيامه الماضية، كما علينا أيضا الاستفادة من معطيات الحداثة الرقمية لإنتاج محتوى رقميٍ عربي كأساس لبلورة هويتِنا الثقافية المتميزة.
وهذه مهمتنا الوطنية، وهي مسؤولية مشتركة تتطلب التعاون بين الجميع، كلٌّ من موقعه و ضمن اختصاصه ، من أجل المساهمه في انماء واعلاء شأن لبنان “ثقافياً، سياحياً واقتصادياً” ، لتكون حافزا للأجيال القادمة من أجل الحفاظ على استمراريتها والعمل على تطويرها بالشكل الذي يساهم في تحصينها.
وهنا يطرح السؤال نفسه… لماذا لا تشهد بيروت إطلاق أكبر كتاب في العالم؟… من حيث المضمون والحجم والوزن وعدد الصفحات…
تزامناً مع إعلان مدينة بيروت (عاصمة الإعلام العربي – 2023)، جاءت فكرة إنجاز “أكبر كتاب في العالم” الذي بدأ بتنفيذها المجلس الثقافي اللبناني والإغترابي، تحت رعاية وإشراف وزارة الثقافة ، وزارة الإعلام ووزارة السياحة، وبالتنسيق والتعاون مع كافة الهيئات الإغترابية ومجالس الأعمال المحلية والإغترابية، بالإتفاق مع “مجموعة ليبابيديا الثقافية” التي تتولى إنجاز هذا المشروع.
نهدف من خلاله توثيق كل ما تقع عليه أيدي الباحثين لإدراجه في هذا الكتاب بعد التحقق من صحته، ليُجعل منه لغة تواصل وحلقة لربط الماضي بالحاضر، متخطيةً قراءة النص فقط لتكون محطة استقطاب لإبراز الدور مهما كان حجمه، لأنه في نهاية الأمر هو ما يمثل بذرات التكوين الإجتماعي، الثقافي والتجاري في مجتمع نعيشه اليوم.
ومن هذه الزاوية، نود أن نَذكُر بعض المراحل التي يتطلّبها تنفيذ عمل بهذا الحجم وبهذا المضمون ، فإن صناعة الكتاب والأعمال التوثيقية والأبحاث، هي كغيرها من الصناعات التي تحتاج إلى المادة الأولية أو “المادة الخام”، ومادّتنا هنا, نادرة بحدود معينة، حيث أن ذلك متوفراً بشكل عشوائي ونادر أحياناً.
وهنا نؤكّد أن صناعة الكتاب، هي كغيرها من الصناعات، فإن مُنتَجُها أو السلعة هي ما يظهر للعيّان، ليصبح محسوساً، وكثيرون يجهلون المراحل التي تقتضيها هذه الصناعة والجهود المُضنية التي تُبذَل في كل مرحلة من مراحل العمل، بسبب انتشار المعلومات وتوزّعها في أكثر من ناحية. ولكن إصرارنا على أن يرى المولود النور، دفعنا لوصل الليالي بالنهارات، فقد لجأنا إلى الزيارات المباشرة، لكافة المؤسسات والأشخاص المعنيين، كأساس لمصادر المعلومات الصحيحة والدقيقة، وفقاً لنماذج أعدت خصيصاً لهذا الغرض، الأمر الذي تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين، وكلفة مادية باهظة.
من هنا ندعو الجميع للمساهمة في إنجاز هذا العمل الذي يعتبر إنجازاً ثقافياً ووطنياً، ويشكل إضافةً مميزة لتاريخنا الثقافي والأدبي، حيث سيضم بين دفيتيه معلومات تاريخية وثقافية عن الإبداعات اللبنانية محلياً وإغترابيا، مستقاة من مصادرها في لبنان ودول الإغتراب بما يضيف للمكتبة العربية من حيث المحتوى وليس من حيث الإضافة العددية، ويقدم مادة معرفية اضافية من اجل استكمال المعرفة اللبنانية المقيمة بلبنان المغترب.. والمعرفة اللبنانية الإغترابية بلبنان المقيم.
نذكر منها على سبيل التعداد لا الحصر:
– تاريخ الهجرة اللبنانية وأسبابها
– تاريخ الصحافة اللبنانية المحلية والمهجرية.
– نبذة تاريخية (ثقافية، سياحية، أدبية وفكرية).
– نبذة عن الإبداعات اللبنانية محلياً وإغترابياً في كافة المجالات .
– طباعة نسخة مصغرة عنه مطابقة تماماً يمكن لمن يرغب اقتناء نسخة منها. على أن يستتبع بخطوات لاحقة استكمالا لمضمونه من خلال إصدارات جديدة تتضمن ما سوف يردنا من معلومات لم يشملها هذا الكتاب.